تأهيل المترجمين والتدريب العملي

تتفاوت وجهات النظر حول التدريب بين المدرّب والمتدرب في مجال الترجمة. فمن جهة، يبحث المدرب المترجم عن أحد يساعده مجاناً في عمله، وفي المقابل يبحث المتدرب عمّن يضعه على أول طريق الترجمة. يفرض هذا التباين في المواقف ضرورة التفاوض لتجسير الهوَّة بين الجهتين.


تأهيل المترجمين والتدريب العملي: تباين في وجهات النظر بين المدرب والمتدرب

محمد يحيى أبوريشة

 تتفاوت وجهات النظر حول التدريب بين المدرّب والمتدرب في مجال الترجمة. فمن جهة، يبحث المدرب المترجم عن أحد يساعده مجاناً في عمله، وفي المقابل يبحث المتدرب عمّن يضعه على أول طريق الترجمة. يفرض هذا التباين في المواقف ضرورة التفاوض لتجسير الهوَّة بين الجهتين.

 ظهرت قبل بضع سنوات موجة في تأهيل المترجمين وتدريبهم في الواقع الحقيقي وفي الواقع الافتراضي على الإنترنت. ويُفتَرَض أنَّ تلك الظاهرة قد حظيت بزخم كبير على ضوء الارتفاع الكمي في الدورات التدريبية ومؤهلات ما يسمى بـ دبلوم الترجمة / دبلومة الترجمة التي يقدمها المدربون في مجال الترجمة. لكنَّ تحليل الواقع يشير إلى أنَّ ذلك كان على حساب النوعية والجودة خاصة مع ارتفاع الشكاوى من جانبي المدربين والمتدربين.

 فالدورات التدريبية أكاديمية أكثر من أن تكون عملية. ومهما كانت مقوماتها فهي ما زالت منحصرة في “تعليم” لا “تدريب” المتدرب. ويتطلب ذلك منا تعريف كلمة “تعليم” وكلمة “تدريب”. فدورة الترجمة التعليمية يُقصَد بها تعليم معلومات جديدة لم يكن المتعلم يعرفها وتنطوي على الجانبين النظري والعملي. ومع ذلك ليست الترجمة التعليمية ما يريد المتدرب على العموم. والسبب في ذلك أنَّ كلمة تعليم تعني أنَّ المعلم هو الذي يملك المعلومة أما المتعلم فهو متلقِّ خامل إن صح التعبير. أما المتدرب، فغالباً ما نسمعه يقول إنَّه يريد أن يمارس المهنة وأن يواجه مشكلاتها ويتعلم حلها. وهذا ما لا تقدمه الدورات التدريبية.

ومن الناحية المادية، الدورات التعليمية جميعها (كحال الدروس الجامعية) مأجورة ولا يجب أن يتوقع المتعلم أن يحصل على وقت المعلم مجاناً دون مقابل قياساً على وقت المحاضر في الجامعة الذي لن يذهب إلى محاضرته إذا كان لديه شعور أنّه لن يُؤجَر في نهاية الشهر. والمشكلة المادية كبيرة في هذا المجال. فالمعلّم المبتدئ لا يقدم معلومات كثيرة فقيمة ما يقدمه قليلة وينعكس ذلك على الأجر الذي يطلبه. بالمقابل، المعلّم الخبير أصبح في مرحلة عمرية على الأقل لا تسمح له بتقاضي الأجور البسيطة لأنها لن تلبي متطلبات حياته ومنها على سبيل المثال تزويج أبنائه البالغين عدا عن أنَّ قيمة ما يعلمه كبيرة جداً ولها ثقلها، وذلك من مبدأ ندرة التخصص والقدرة. والمتدرب من جهته حديث التخرج أو عاطل عن العمل أو يعمل في مهنة لا يريدها بأجر زهيد ولا يكاد يملك شيئاً يساعده على البقاء على قيد الحياة دعك من الالتحاق بالدورات التدريبية مدفوعة الأجر.

 التدريب يختلف

التدريب يعني أن يجلس المتدرب إلى المدرب ويعينه في واجباته ومهامه. ليس من الضروري أن يكون المدرب على درجة كبيرة من التأهيل والتعليم. وليس من الضروري أن يكون خبيراً أصلاً. كل ما هو مطلوب من المتدرب أن يجلس مدة من الزمن إلى المدرب لكي يتعلم المهنة وأصولها وخباياها. يختلف التدريب عن التعليم في أن التركيز لا يقع على المدرب على أنه مصدر المعلومات بل على المتدرب نفسه الذي عليه أن يبحث هنا وهناك لكي يجد المعلومات التي يريد. وكل ما على المدرب المترجم أن يقدمه مساحة للمتدرب في المساعدة في المهام التي يقدر المتدرب على أدائها وتساهم في تطوير عمل المترجم المدرب.

 المشكلة القائمة

كثير من المتدربين يسعون للتدريب اعتقاداً منهم أنَّ التدريب يكافئ التعليم. فهم يعتقدون أنَّ المدرب عليه أن يعلّمهم ما لم يتعلموه في الجامعة. وهذا الأمر ليس خاطئاً تماماً لكنَّ الأمر إن وصل إلى تعليم المتدرب كيفية ترجمة الفعل والفاعل بل كيفية صياغة الفعل نفسه، فهذا يعني تحول العملية من تدريب إلى تعليم. بما أن المدرب ليس متفرغاً للتعليم، فهو مشغول بتسليم الأعمال المترجمة إلى العملاء، فسيشعر بضيق من أسئلة المتدرب المتكررة التي لا تمس التدريب بصلة بل هي في حقيقتها طلب للتعلّم.

والمشكلة لها جانب آخر. هل يتقاضى المتدرب شيئاً على تدريب المتدرب؟ من الناحية المثالية، إذا كانت أخطاء المتدرب في الترجمة ضئيلة جداً فقد يبدأ التدريب مجاناً من الطرفين لكنه سرعان ما ينتقل إلى مرحلة يأخذ فيها المتدرب حقه الكامل من الأجور ثم يصبح مترجماً مستقلاً. وهذا ما حدث معي شخصياً في كثير من الحالات مع المتدربين.

أما في السيناريو الأقل تفاؤلاً، فقد يكون المتدرب غير قادر على الترجمة أصلاً بسبب إخفاقه في فهم قواعد اللغة العربية والأجنبية. وعندها، سيكون من المستحيل على المدرب أن يساعد المتدرب لأنّ ذلك يعني إضاعة وقت المدرب الثمين. والعجيب في الأمر أنَّ كثيراً من المتدربين كانوا في مثل هذه الحالات يشكون من المدرب ويكيلون له الاتهامات بأنه أناني وغير متعاون متناسين أنهم هم من يحتاجون إليه لا العكس. وأكثر من ذلك، يشكو بعض المتدربين من هذه الفئة “الضعيفة” من أنهم لا يتقاضون أجراً. أما من وجهة نظر المدرب، فهم يحتاجون للتعليم أصلاً لأن دراستهم الجامعية كانت فاشلة تماماً إما لأسباب تتعلق بجامعاتهم أو، كما في بعض الأحيان، لأسباب تتعلق بهدرهم الوقت في أثناء الدراسة السابقة.

في الحالات الأقل تفاؤلاً، بمقدور المتدرب أن يستفيد ويتعلم من خلال مساعدة المدرب المترجم في مهماته ومنها على سبيل المثال: تكوين المسارد الجاهزة، إعداد الملفات والملفات المترجمة في ذاكرات الترجمة، أو تنسيق الملفات وربما كانت تلك بداية جيدة في تعلمه الترجمة التي لم يتعلمها من قبل. وحسب مدى تطوره في التدريب، يمكن أن يصل إلى بداية مهنة الترجمة. وفي أثناء ذلك، يمكن للمدرب أن يقدِّر المال الذي يعطيه للمتدرب على قدر جهده. فالمتدرب الذي لا يقدم ترجمة يمكن تحريرها وتقديمها للعميل لن يستطيع تقاضي أي شيء بل لن يُطلَب إليه أصلاً أن يترجم شئياً. ومع ذلك، يختار بعض المدربين دفع أجور المواصلات على الأقل للمتدرب خلال مدة التدريب.

 هل من حلول؟

أولاً، لا بد للمتدرب أن يعي تماماً بدور المدرب، فإذا كان المتدرب يريد “تعلم الترجمة من الألف إلى الياء” بما في ذلك تصحيح الأخطاء القواعدية والأسلوبية، فهنا ننتقل إلى دورات الترجمة مدفوعة الأجر وليس ذلك من مهمَّة المدرب المترجم. وقد كثرت الإعلانات هذه الأيام عن دورات الترجمة، وهناك لسوء الحظ بعض الجهات التي تقدم دورات زائفة  بأسعار مرتفعة فلكية (لا تقل عن ألفي دولار للدورة)  ثم ينتهي المطاف بالملتحقين بتلك الدورات بأن يعلنوا أنَّ الدورة لم تفدهم بشيء. والحل لهذه المشكلة ممكن في البداية قبل بدء الدورة التدريبية. فعلى المتعلم الراغب بالالتحاق بالدورة أن يعرف أولاً: ما الوعد الذي تقدمه الدورة؟ ما مدى إلمام المعلّمين بالترجمة وهل هم مترجمون أم منظِّرون؟ ما هي الأعمال المنشورة للمعلمين في الترجمة؟ وما هي التغذية الراجعة التي أبداها متدربون سابقون؟ وما آلية رد الرسوم في حالة لم يقتنع المتعلم بالدورة التدريبية؟

ثانياً، على المتدرب أن يبحث بجد عن مصادر التعلّم الأخرى خلافاً للدورات مدفوعة الأجر. فالأصل في المتعلم أن يحصل على المعلومة الصحيحة بالطريقة الصحيحة بأقل الطرق تكلفة. فإذا أتيحت له منابر الإنترنت التي تقدم الدورات التدريبية المجانية والموارد المجانية فلن يخسر شيئاً في الاطلاع عليها. وحتى لو تبين له في أولى الدروس أنه يضيع وقته، فيمكنه بحرية أن ينتقل إلى دورات أخرى ويمكنه أن يقارن بين هذه وتلك ليعرف ما يحتاج إليه بالفعل.

ثالثاً، من جهة المدربين، لا بأس في إقامة ما يشبه المتجر. فكل متدرب يعرض ما لديه والطريقة المحددة التي يمكنه أن يستقبل بها المتدرب، ما يفيد التنوع في العرض والطلب في سوق تدريب المترجمين. فالمتدرب (أ) قد يعرض التدريب بمساعدته في صناعة المسارد فقط، والمتدرب (ب) قد يعرض إحالة أعمال بسيطة للمتدرب كترجمة الجداول أو الفقرات المتكررة التي ستساعده في إنهاء العمل وتقديمه للعميل في الموعد المحدد، والمتدرب (ج) قد يعرض تبنيه لمتدرب أو متدربين يعلمه الترجمة ويدربه عليها إما لقاء مبلغ مالي معتبر أو مبلغ مالي رمزي أو مجاناً.

يبقى على المتدرب أن يعيَ أنَّه لا يحق له التدخل في الطريقة التي يدربه بها المدرب ما دام اختاره وقبل بأسلوبه. فإذا لم يتفق على شيء ما مع المدرب، ربما عليه وقتها الانسحاب والبحث عن حل آخر. ومن الأولويات التي يجب على المتدرب أن يضعها نصب عينيه التعلم الذاتي والاستفادة من المصادر والمعلومات المتاحة في كل مكان، لكنَّه في الوقت نفسه يجب أن يكون حصيفاً في اختيار المدرِّب والاتفاق معه على التدريب.

أما من جهة المدرِّب، فلا بد له عند قبوله أي متدرب أن يجهّز خطة واضحة يبيّن لها للمتدرب الوعد الذي يقدمه في التدريب له والمبالغ المالية المترتبة على ذلك، من ناحية المبالغ التي سوف يدفعها المدرب للمتدرب لقاء إنجازه المهمات التي يوكلها إليه أو على الأقل يجب أن يبيِّن له أنَّ التدريب سيكون مجانياً من الطرفين. وفي كل الأحوال، لا مجال للغبن ولا التدليس ولا المواربة ولا المجاملة. فإن كان المدرب غير مقتنع بالمتدرب أو غير راغب بتدريبه، فلا ينبغي له أن يقدم للمتدرب وعوداً لن تتحقق. وفي سبيل ذلك، عليه أنَّ يختبر المتدرب في عيّنة ترجمية وأن يطلب إلى المتدرب ترجمتها وبعد ذلك يجهّز له تعليقات واضحة شاملة وعندها يمكن للمتدرب أن يقيّم أداء المدرب المترجم ويعرف إذا كان هو الذي يبحث عنه أم لا.

ولا بد من إثارة نقاش حقيقي هادئ بين المدربين الراغبين في التدريب والمتدربين الباحثين عن التدريب. مثل هذا النقاش يجب أن يتطرق إلى حاجة المدرب المترجم إلى مساعدة المتدربين في تنسيق ملفاته وصناعة مسارده التي لا يتقاضى عليها المدرب أجراً أصلاً من العميل لكنه يحتاج إلى أن يقدمها إليه المتدرب مجاناً لقاء تدريبه. ومن جهة أخرى، لا بد من إثارة مشكلة استغلال المتدرب في أعمال كثيرة يتقاضى المتدرب المترجم عليها أجوراً يضعها في جيبه ويحرم المتدرب من لذة الحصول على أول قرش يكسبه في حياته من الترجمة.

محمد يحيى أبوريشة maburisha@arabtranslators.org ، مستشار في الترجمة، ونائب الرئيس للتعليم والتدريب، المجمع العربي للمترجمين المحترفين www.arabtranslators.org

هذه المقالة كُتِبت بصفة شخصية ولا تمثل الآراء الواردة فيها بالضرورة توجهات المجمع العربي للمترجمين المحترفين.

– See more at: http://arabtranslators.org/library/article.php?id=118

Author: aburisha

Translator, interpreter and international consultant