من وحي سورة الصَّافات


 

تخيل نفسك وأنت تنظر من خلال كاميرا فيها قدرة التقريب والتبعيد.  وإلى جنبك ساعة.

 

الآن أنت تنظر في الكاميرا.  أمامك كل شيء أسود، ستارة سوداء..

 

تبدأ الستارة بالانحسار ويظهر أمامك رجل أشعث أغبر على وجهه علامات الذعر ينظر إلى السماء.  ثم تبدأ الكاميرا بتبعيد العدسة إلى الأعلى فترى جموعاً من الناس مع تباعد العدسة تصغر الصورة فترى أعداداً لا تحصى من البشر  على أرض قاحلة.  والشمس من فوقهم حارقة.  ثم تنتقل العدسة إلى الأعلى فترى مخلوقات لم تر مثلها في حياتك.  إنّها مخلوقات من نور هي الملائكة.  تظهر في العدسة الملائكة صفاً صفاً، وملائكة أخرى تزجر السحب وغيرها، وملائكة تسبح بحمد ربها…وتعود الكاميرا في التبعيد وكأنك ترى السموات السبع….إنه يوم القيامة..

 

ثم بعد ذلك تعود عقارب الساعة إلى الوراء، ومعها ترجع الكاميرا في التصور خطوات سريعة إلى الوراء… إلى أن تصل إلى صورة الرجل الأشعث الأغبر ثم يعود الرجل إلى الأسفل إلى القبر وكذلك جميع الناس… ثم تعود الأرض دماراً ثم تقام الأبنية وتعود الغابات والأنهار.. كل ذلك يعود بسرعة فشريط الزمن الآن يعود إلى الوراء… ترى من حولك الأرض خضراء والناس أحياء يبيعون ويشترون ويلهون ويضحكون.. هذا هو ماضيهم ..هذه هي الدنيا.. أنت تشاهدها في عدسة كامريتك  الآن.

 

في هذه اللحظة، تتوقف الساعة، ثم تعود الكاميرا إلى التبعيد، ويصغر الناس وتصغر الأبنية وترى الأرض بلورة زرقاء….ثم تصغر وتصغر إلى أن تضيع بين النجوم وكذلك تصغر المجرات ويصغر الكون وترى مخلوقات غريبة..إنهم الشياطين…يحاولون  استراق السمع إلى الملأ الأعلى فيقذفهم الحق بشهب من نار من كل مكان من حولهم… لتقضي عليهم……هذا عذابهم في الدنيا..وما أدراك ما عذابهم في الآخرة… هؤلاء هو سر البلاء في الدنيا.. وهم سر غواية البشر…

ثم تعود الساعة إلى الوراء..وتبدأ الكاميرا بالتقريب إلى أن ترجع إلى المجرات فالنجوم فالمجموعة الشمسية فالبلورة العتقية فالصحراء في جزيرة العرب.. وكأنك ترى الآن أعراباً يضحكون ويسخرون مما سمعوه من الحق…فقد تُلي عليهم القرآن الكريم..فها هم يضحكون ويمرحون، ويستهزئون… ومن غيظهم يتهمون من أوحي إليه القرآن، سيدنا محمد صلى الله عليه والسلم، بصفات ليست فيه..كل ذلك لأنّ فيهم نفوساً أمارة بالسوء تصغي إلى كلام الشياطين الذين توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم….

وبين هؤلاء تجد ذلك الرجل الأشعث الأغبر الذي سبق أن رأيته من قبل… وتشعر بشعور عجيب..فهو يضحك ويلهو وأنت تعرف مصيره فقد رأيت ذلك بنفسك….

 

ثم تتسارع عقارب الساعة ويتحول الأشخاص الذين أمامك إلى عظام ثم رماد وتبقى العدسة تركّز عليهم وتستمر الساعة بالتحرك وبعدها ترى التراب قد انشق وخرج الرجال أنفسهم .  وعادت لحومهم إلى عظامهم ووقفوا في الموقف الرعيب…

 

ثم تسارعت الساعة من جديد….ووقعت أحداث ليست كالأحداث…ووقعت الواقعة….ثم وقف المجرمون صفاً وقال الحق: “احشروا الذين ظلموا وما كانوا يعبدون من دون الله وأهدوهم إلى صراط الجحيم”…  ويحهم….ويحهم كم كانوا يستهزئون.. هنا الاستهزاء الحقيقي ..نسو الله فأنساهم أنفسهم…. ظنوا أنهم يستهزئون لكن “الله يستهزئ بهم”…  فقد كان لهم في الدنيا طرق الهداية.. وعدهم الله بالمغفرة بل الجنة إن طلبوا المغفرة..وعدهم الله أن يبدل سيئاتهم كلها حسنات…. فما اهتدوا…وعمهوا في طغيانهم..ولجوا في غوايتهم…. فالآن يأتي الاستهزاء…رفضتم الهداية.. فلا تُهدون الآن إلا إلى طريق جهنم….

 

ثم تبتعد الكاميرا شيئاً فيشئاً والناس المجرمون يجّرون وفجأة ترى في البعيد نار الجحيم ويُلقون فيها جميعاً…..

 

تنتقل الكاميرا الآن إلى داخل جهنم…

هناك الظالمون من إنس وجن…  يائسون محبطون…العذاب من كل جانب….ثم تقترب العدسة من اثنين في العذاب  فتجد رجلاً يصرخ بوجه الجني الشيطان.. أنت..أنت جعلتني أدخل النار..أنا لا ذنب لي….

 

ثم تسمع من الأعلى من يناديهم “ما لكم لا تناصرون”  فهذا هو الاستهزاء الحقيقي… كنتم في الدنيا أنصاراً بعضكم لبعض في الحرام وفي الكفر…فما بالكم اليوم؟  أين صداقتكم؟ أين تآزركم؟ أين أخوتكم في الكفر والشرك؟؟

 

ثم يتملص الشيطان القرين من المجرم الإنسان ويقول له إليك عني واتركني بحالي..أنا ما فعلت شيئاً سوى أن أشرت عليك أن تفعل السوء وأنت رددت علي..فما علاقتي بك….. وكما ترى أنا أتعذب مثلك…

 

ثم تمور النيران ويختفي الناس في داخلها تحرقهم حرقاً….. وفي داخل جهنم تتراءى صورة من الماضي هؤلاء الناس عنما كانوا يكذّبون الرسل والأنبياء..هذا هو الآن جزاء المكذّبين……

 

تنتقل الكاميرا إلى الجانب الآخر…إلى جانب الخير والأبرار….وترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت….ترى الصفاء والإشراق والناس مستبشرون ضاحكوين…. ثم تنزل الكاميرا إلى أحدهم يبحث عن الجني القرين فيطّلع على الجانب الآخر فيراه في الجحيم.. فالحمد لله أن نجى البار من براثن ذلك الضال الغاوي الذي كاد أن يوقع بالبار إلى الجحيم….

 

فينظر البار الآن مستنكراً ويقول للجني القرين::  آهّ  قلت لي إنني لن أُبعث بعد الموت؟ أه!  قلت لي إنه لا يوجد إله! قلت لي أن إفعل المنكرات ولا تبالي….قلتي لي الحياة قصيرة انغمس في ملذاتها… !!  أنظر الآن ماذا حدث…  هداني ربي والحمد لله وأنقذني منك يا مجرم..فأنت الآن في النار.. وأنا الآن والحمد لله أتنعم في جنات النعيم…

وتنتقل الكاميرا من جديد إلى تغطية مباشرة وحية داخل الجحيم…فهناك المجرم مذعور…إنه يكاد يفقد عقله إن كان له عقل أصلاً.. وهو مرعوب بسبب الجني الشيطان الذي أغواه… فيبدأ بحالة من الهستيريا التي ستصاحبه إلى ما لا نهاية… فينظر فيرى الزقوم يأكل منها… لا طعام له فيها غير الزقوم….ثم ينظر إلى طلع الزقوم فيهلع…كأن طلعها مئات من الرؤوس تشبه رأس الشيطان الذي أغواه..

 

((يُتبَع))

 

Author: aburisha

Translator, interpreter and international consultant

2 thoughts on “من وحي سورة الصَّافات”

Comments are closed.