المحطة الأولى: بيت جديد


(((((المحطة الأولى))))

كانت السماء ماطرة وكنت وقتها في شاحنة صغيرة (Small Truck)…

كان المطر غزيرا جدا لدرجة مخيفة بالنسبة لطفل لم يتجاوز عمره الخمس سنوات… وهذه هي أول لحظة في حياتي أذكرها ولا أذكر قبلها أي شيء آخر…

ثم ينقطع شريط الذاكرة فأجد نفسي في بيت أهلي الجديد وارى نفسي أمام باب الغرفة التي أمسكت أختي الكبرى بمفاتيحه فنحن صغار لا نفهم كيف نفتح الباب أو نغلقه.

أمضينا في ذلك البيت سنوات عدة قبل رحيلنا إلى بيت آخر كبير.. لكنني ما زلت أذكر أن ذلك البيت شهد لحظات أساسية في حياتي..

أول عيد ميلاد كان لي فيه… دعت أمي طفلي جارتنا الروسية وأهدوني سيارة صغيرة بحجم الكف ولعبة أخرى على شكل قلاب اسمنت فرحت بها كثيرا…

أيضا أذكر أن أخي أكل ذات مرة حبة واحدة من نبات الأنكدنيا وقال لي تعال نزرعها ونرعاها… وفعلا زرع تلك الحبة في التراب… ومرت الأعوام وبعد أكثر من 15 عاما من تلك اللحظة زرنا ذات مرة الأناس الذين اشتروا بيتنا ذاك وتفاجأنا أن البذرة التي زرعها أخي قد أصبحت شجرة ضخمة جدا يأكل من ثمرها الغزير أهل البيت…. فسبحان الله.

ما زلت أيضا أذكر كيف قالت لي أمي: “ما رأيك أن تذهب إلى الروضة!” قلت لها بخوف وقلق: “لا” ظانا أن لي رأي في هذا…

كنت وما زلت خجولا جدا…أخاف الحياة الاجتماعية والاحتكاك بالناس…لكن رايي لم يكن له مكان في اسرتي آنذاك، وهذا هو الدرس الذي أتمنى أن أراعيه تماما في تربية ولدي، لا تستهن باي طفل مهما كان عمره واحترم رايه ورغبته فذلك قد يؤثر فيه كثيرا وفي نشأته.

قبل أن أستعيد المراحل الاساسية التي تبلورت في حياتي في ذلك البيت لعلي أعود مرة أخرى إلى الوراء قليلا….. كنت وقتها في قرية والدتي… حملتني أمي وصعدت بي الطريق إلى مكان ما في الليل.. كان الجو صيفيا وصافيا… وأذكر أني سمعت صوتا غريبا عملت بعد سنوات أنه صوت الصرصار، لكنني وقتها قلت لنفسي وأنا أنظر إلى النجوم العجيبة التي شكلت مغرفة كبيرة )علمت فيما بعد أن اسمها الدب الأكبر): ولعل تلك هي اللحظة الأولى في حياتي التي صرت أتطلع إلى ما حولي باحثا عن أجوبة لأسئلة فضولية تدخل إلى أعماق الطبيعة…..

“هذا هو صوت الليل”

نعود إلى تلك اللحظة التي كنت على وشك دخول شيء اسمه الروضة. في اليوم التالي جاء الباص وأيقظتني أمي مبكرا.. ألبستني ثيابي وأعطتني حقيبة جميلة مصنوعة من قش اسمها “سَبَت” وضعت فيها لي بعض الطعام….لكن أحدا لم يخبرني أن علي أن أفتح السَبَت وآكل من الطعام…. وكنت خائفا هلعا من كل شيء يتعلق في الروضة….

وفي الروضة، بدأت ملامح شخصيتي بالظهور….

((((((يُتــــــــــــــــــبَع))))))

Author: aburisha

Translator, interpreter and international consultant

4 thoughts on “المحطة الأولى: بيت جديد”

  1. القصة جميلا جدا فهل هي من واقع الحياة ام من تأليفك. فسلمت يداك انها رائعة

Comments are closed.