القرآن الكريم ونظريات الترجمة


آي الذكر الحكيم ونظريات الترجمة المعاصرة

محمد يحيى أبوريشة

نائب رئيس المجمع العربي للمترجمين المحترفين

maburisha@arabtranslators.org

www.arabtranslators.org

أولا- مقدمة:

أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للمسلمين دستورا وقانونا يبنون حياتهم وفقا لآياته وأحكامه وليعيشونه واقعا عمليا في سلوكهم وتصرفاتهم ليحققوا بذلك الرسالة العظمة التي حملها الإنسان وهي خلافة الله في الأرض وعبادته وحده من غير شريك ولتحقيق الصلاح في الدنيا ونيل نعيم الآخرة.  والقرآن الكريم ، كما قال سيد قطب هو “النداء العلوي الجليل الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه” ” (قطب 1996: 11)  وهو الذي يبين للناس الغاية من وجودهم ليتجنبوا الوقوع في “المستنقع الآسن وفي الدرك الهابط”.  بل أن القرآن الكريم يبين لمن يتدبر آياته “التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله وحركة الكون الذي أبدعه الله”. ” (قطب 1996: 11)

وبشكل أكثر تفصيلا، فإن القرآن الكريم يضم في آياته وسوره أحكاما شتى تضيء للمسلم طريقه في حياته اليومية وفي معتقداته وتصوراته وتعاملاته مع الآخرين من البشر بل ومع الحيوان والنبات والجماد من حوله ليعيش الحياة التي رسمها الله له، حياة الطهر والنقاء، حياة كريمة في الدنيا، وحياة أبدية خالدة في الجنان في الآخرة.

والحديث حول أهمية القرآن الكريم في حياة المسلم يطول ولا يسعني في هذه الورقة المتواضعة أن ألم بكافة نواحيها، لكنني سأبدأ هذا البحث بإقرار حقيقة لا غبار عليها وهي أن تدبر آيات الله في القرآن الكريم واجب على كل مسلم حتى يتسنى له تطبيقها في حياته العملية والامتثال لأوامر الله عز وجل.  قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (ص:29)، ولذلك فالمسلم إن قرأ القرآن وتدبر معانيه فله أجر أكبر من أجر الذي يقرأه دون فهم معانيه.  فالقراءة الواعية للقرآن الكريم أمر جوهري وحساس في تطبيق المسلم لأوامر الله عز وجل.

على صعيد آخر، أراد علماء اللغة أن يصلوا إلى نظرية مانعة جامعة لاتقان الترجمة، ولا أخص هنا ترجمة معاني القرآن الكريم، بل أعمم ذلك على كافة أنواع الترجمة، عامة وتخصصية، شفوية وتحريرية، وزخرت كتب منظري الترجمة بنظرياتهم حول هذا الموضوع وفي كافة اللغات، ومن بينها العربية، لكنهم لم يصلوا إلى إجماع حول نظرية محددة بعينها كما أن الدارس في هذا المجال يدرك بسهولة وأحيانا بصعوبة أن المصطلح الذي يطلقه أحد علماء اللغة على ظاهرة لغوية ما قد يقوم آخر بذكره لكن بطريقة أخرى.

وهنا لا بد من توضيح نقطة هامة،  فلعلنا لا نجافي الحقيقة إن قلنا أن ما من أحد من المنظرين في مجالي علم اللغة والترجمة إلا ويجزم أن الترجمة بمفهومها البسيط تتكون من ثلاث مراحل هي: القراءة واستخلاص الأفكار (المعنى) ومن ثم وضع النص في اللغة الهدف.  لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي الأدوات التي يمكن للقارئ من خلالها أن يقرأ النص قراءة كافية فعالة تمكنه من الحصول على المعنى المراد؟  وللإجابة على مثل هذا السؤال قام العديد من علماء اللغة والترجمة باستنباط نظرياتهم وطرقهم الخاصة التي تمكن المترجم من فهم معنى النص قبل القيام بترجمته[1].

من هنا أقول بأن النقطة المشتركة بين قراءة القرأن الكريم ونظريات الترجمة تتمثل في آليات القراءة.  فكيف من الممكن تدبر معاني آيات الذكر الحكيم؟  وهل يمكن الاستعانة بنظريات الترجمة المتعلقة بتحليل المعنى في فهمنا للقرآن الكريم أم لا؟  هذا هو موضوع هذه الورقة.

ثانيا- المقدمة النظرية للبحث:

1- مشكلة البحث:

نزل القرآن الكريم على قوم قريش بلغتهم العربية الفصيحة ولا بد وأنهم كانوا يفهمون معاني الآيات القرآنية، كيف لا وقد كانت قريش من أكثر القبائل العربية بلاغة ومهارة في استخدام اللغة العربية.  أما الآن، فقد ابتعد الناس عن اللغة العربية الفصيحة وأصبح استخدامه مقتصرا على دارسي اللغة العربية والعلوم الشرعية، أما عامة الناس وغير المختصين في العربية أو الشريعة فيستخدمون لهجات عربية مختلفة بعيدة نسبيا في نحوها ومفرداتها بل ونظاميها الصرفي والصوتي عن اللغة العربية الفصيحة مما يجعل عليهم من الصعب أن يفهموا نصا مكتوبا باللغة العربية الفصيحة، ويقتضي ذلك صعوبةً في فهمهم لمعاني القرآن الكريم، وهذه هي المشكلة البحثية الأولى، فكيف يمكن تحسين قدرات القارئ اللغوية عند قراءة القرآن الكريم لتدبر معانيه العظيمة ولاكتشاف الأساليب البلاغية الإعجازية في القرآن الكريم؟

من ناحية أخرى، ما من نظرية من نظريات الترجمة إلا وتم استنباطها من خلال تحليل النصوص المختلفة باللغات المختلفة، وبمعنى آخر كان لا بد من جمع عينات لغوية محكية ومكتوبة ومن ثم تحليلها للوصول إلى نظريات خاصة في الترجمة لتمكين دارس الترجمة من تعلم الترجمة وممارستها بشكل فعال، فمثلا عمد الباحثان حاتم ومايسون (Hatim & Mason: 1997) إلى استخلاص معظم الأمثلة من الصحف في حين استخدمت الباحثة منى بيكر (Baker: 1995) كتابا اسمه “Hero from Zero” (بطل من الصفر) وترجمة لهذا الكتاب إلى العربية في سبيل توضيح نظرياتها في تعليم الترجمة وتعلمها، وغيرهم كثير.  فالسؤال: هل يمكن لنظريات الترجمة أن تتحسن وأن تقدم حلولا ممتازة أو جيدة لمشكلة تعليم المترجمين، وهم في طور القراءة وتحليل المعاني، من خلال الاستشهاد بالآيات القرآنية؟

والسؤال الأخير الذي يهمنا هنا هو: إذا ما أراد شخص ما أن يترجم معاني القرآن الكريم، كيف نضمن أن يفهم هذا المترجم الآيات الكريمات بحيث يمكن له ترجمة معانيها دون خطأ علما بأن الخطأ في ترجمة معاني القرآن الكريم سيؤدي إلى كارثة كبيرة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن ملايين المسلمين والملايين من غير المسلمين سيقرؤون هذه الترجمة؟  ولتوضيح هذه الفكرة نتساءل: هل أخطأ جورج سيل عندما ترجم الآية الكريمة “إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين” (البقرة:69) إلى الانجليزية:

“She is a red cow” (Sale 1940:6)

أي: “إنها بقرة حمراء….” وعندما ترجم: “يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون” (البقرة:21) إلى ما معناه “يا أهل مكة“؟[2] بل كيف نضمن أن المترجم المسلم لن يجعل من معتقداته الخاصة به تتدخل في الترجمة بحيث يترجم الآية الكريم وفقا للمعنى الذي فهمه؟  ماذا لو كان المترجم ينتمي إلى فئة أو طائفة لها معتقداتها الخاصة وإن كانت مسلمة؟[3]

2- الغايات والأهداف من البحث:

الهدف النهائي على المستوى البعيد من خلال هذا البحث ومن خلال كافة الأبحاث التي يقوم بإعدادها الباحث[4] إنما هي الوصول إلى طرقة فعالة لتأهيل المترجمين عمليا من خلال تقديم المادة النظرية بشكل عملي يمكن لهم فهمه وتطبيقه في فهم النصوص المراد ترجمتها أيضا كان نوعها.

أما عن الأهداف الخاصة بالبحث، أي الأهداف المباشرة فهي تتعلق بفهم آيات القرآن الكريم وفقا لنظريات الترجمة، وتفسير نظريات الترجمة للطلبة من خلال الاستشهاد بأمثلة من القرآن الكريم.

لعلنا كثيرا ما نسمع العوام من الناس يرددون مقولات كثيرة عن القرآن الكريم فيقولون أن العلماء اكتشفوا حقيقة علمية كذا وأن هذه الحقيقة قد ذكرها القرآن الكريم، بل أن بعض العلماء قد خصصوا كتبا حول هذه الحقائق أو التحليلات الخاصة بهم وقد يصلوا إلى نبوءات غيبية يثبتونها من خلال القرآن الكريم[5].  إلا أن هذه المنهجية لا تنسحب على هذا البحث الذي يراعي تنزيه القرآن الكريم عن إعطاءه هدفا أو أهدفا غير التي رسمها الله عز وجل للبشرية جمعاء والتي تتلخص في أولى آيات لذكر الحكيم لعد سورة الفاتحة في سورة البقرة والمتمثلة بقوله سبحانه وتعالى “ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين” (البقرة: 1-2)، ففي حين أن بعض الحقائق العلمية يمكن الاستئناس لها من خلال آيات القرآن الكريم إلا أن العديد من النظريات العلمية يكذب بعضها بعضا وكل ذلك لا يتفق مع جلال القرآن الكريم (قطب 1996).

إذن ليست الغاية من خلال هذا البحث محاولة إثبات أن نظريات الترجمة موجودة في القرآن الكريم، بل تتمثل الغايات المباشرة بما يلي:

أ‌-      أن يقوم الباحثون في الترجمة بالاستشهاد بالآيات القرآنية عند مناقشة القضايا والتراكيب اللغوية التي تساعد دارس الترجمة إن استوعبها وفهمها على اتقانه لصنعة الترجمة.

ب‌-  أن يتمكن المسلم إن انتبه إلى الخصائص اللغوية التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار لغايات الترجمة من أن يتدبر آيات الذكر الحكيم.

ج- أن يتمكن ناقد ترجمات معاني القرآن الكريم من خلال استخدام بعض النظريات في الترجمة من العثور على الأخطاء في ترجمة معاني القرآن الكريم إن وجدت.

وسيعرض البحث في فقراته اللاحقة أمثلة وافية عن كل غاية من هذه الغايات.

3- محددات البحث:

هذا البحث هو بحث لغوي بحت يتصل بمعاني القرآن الكريم وفي بعض الأحيان ترجمة هذه المعاني وفقا للغايات المحددة أعلاه، لهذا لن يقوم البحث بالمقارنة بين الترجمات المختلفة لمعاني القرآن الكريم بل سيكتفي بالإشارة إلى مواطن الخطأ والصواب في هذه الترجمات عند الضرورة.

ولن يناقش البحث النظريات المختلفة في القراءة بل سيكتفي بالإشارة إلى نظريات بعض الباحثين حيث أن النظريات كثيرة ولا يتسع المجال هنا لمناقشتها كافة، على أمل أن تكون العينة البحثية ومناقشتها كافية لفتح آفاق من يدرس الترجمة ومن يتلو القرآن الكريم من تغيير سلوكيات قراءاتهم للنص بشكل أفضل.

4- عينة البحث

تتكون عينة البحث من بعض الآيات من القرآن الكريم، وجميع التحليلات الخاصة بها موجودة في ملحق البحث في حين تم التطرق لبعضها في متن البحث.

5- منهجية البحث:

في هذا البحث، سنتطرق إلى كل نظرية على حدة ونشرحها بشكل بسيط مختصر ونقدم من آيات القرآن الكريم وسوره وعلى ضوء النقاش يقترح الباحث المعنى الذي توصل له.  وسيكتفي الباحث بمناقشة بعض الأمثلة وترك بعضها الآخر في ملحقات هذه الورقة.

ثالثا- مناقشة عينة البحث على ضوء نظريات الترجمة:

1- عن كتاب In Other Words

تحدثت منى بيكر (Baker 1995) في كتابها In Other Words عن مستويات عدم التطابق بين اللغتين، مع إشارة خاصة إلى اللغتين العربية والانجليزية.  فيما يلي بعض مما جاءت به وبعض الأمثلة القرآنية التوضيحية لذلك.

أ‌- عدم التطابق النحوي

يلاحظ في الفصل الخاص بعدم التطابق النحوي في الكتاب المذكور (Baker 1995) شُحَّا في الأمثلة خاصة فيما يتعلق بالزمن والوقت في الانجليزية والعربية حيث أن الكاتبة –وهذا أمر غريب- لم تذكر أمثلة من اللغة العربية إطلاقا بل ذهبت بعيدا إلى اللغة الصينية واليابانية وغيرها.  لننظر إلى الأمثلة القرآنية التالية ونخرج باستنتاج حول الزمن والوقت كعنصر من عناصر عدم التطابق النحوي بين اللغتين العربية والانجليزية:

[1] “وجيء يومئذ بجهنم”

[2]- “وقيل يا أرض ابلعي ماءك”

[3] فلم تقتلون أنبياء الله من قبل”

في هذه الآيات الكريمات نجد أن الأفعال التي كانت فيها تعبر عن أوقاتا مختلفة كما يلي:

الفعل نوع الفعل الدلالة الزمنية القرينة
جيء ماض-مبني للمجهول مستقبل “يومئذ”
قيل ماض-مبني للمجهول ماض السياق ذاته في الآية الكريمة
تقتلون مضارع ماض “من قبل”

إذن يمكن لمدرس نظريات الترجمة من خلال المثال أن يبين لطلبته أن الوقت في اللغة العربية لا يمكن فهمه من الفعل وحده بل لا بد من وجود قرينة، وذلك خلافا للفعل باللغة الانجليزية الذي إما أن يدل على حدث يشمل اللحظة الحالية (الحاضر) أو حدث لا يشمل اللحظة الحالية (ماض)[6].

ب‌- الارتباط اللفظي

تشير بيكر أيضا (Baker 1995:p.183) إلى قضية الضمير في الترجمة باعتبار أن الضمير جزء مما تسميه بأدوات الربط اللفظي.  ومن هذه الأدوات ما أسمته الكاتبة بـ Substitution (انظر: Baker 1995: p.p.186-190))  وتعني هذه الكلمة تحقيق الارتباط اللفظي عن طريق استخدام كلمات مرجعية تحمل نفس المعنى، أي أن تضع كلمة مثلا مكان كلمة أخرى لتدل على نفس المدلول.  يمكن لتوضيح هذه الفكرة أن نذكر الآية الكريمة التالية:

“لمَ لم تسجد لما خلقت بيدي، أستكبرت أم كنت من العالين” (ص: 75)

لفهم الآية بشكل أفضل، يمكن تطبيق مبدأ Substitution فمن الواضح في الآية الكريمة أن المدلول في عبارة: “لما خلقت بيدي” هو آدم عليه السلام.  كان من الممكن أن تكون الآية مثلا: لماذا لم تسجد لآدم؟  لكن الله تعالى إذا استبدل كلمة “آدم” بعبارة آخرى هي: “لما خلقت بيديَّ” إنما تدل على هدف بلاغي هام.  فهذه العبارة الأخيرة إنما ينسب الله بها آدم إليه، وحيث أن الله عظيم الشأن فلا يمكن أن ينسب إلى ذاته خلقا من مخلوقاته وفقا لهذه الآية إلا للتشديد على مكانة هذا المخلوق لديه.  نستنتج من ذلك أن آدم وأبناء آدم لهم مرتبة عظيمة عند الله ، وما كان للقارئ أن يستوعب هذه الفكرة لو أن الآية ذكرت “آدم” بدلا من تعبير “لما خلقت بيدي”.

ج- التقديم والتأخير

ذكرت بيكر في فصل آخر من المرجع المذكور (Baker 1995: 119-215) فصلا كاملا عن ما اسمته بـ Thematic Structure أي الهيكل الموضوعي للجملة.  وتحديدا في الصفحة 171 تحدثت عن التأخير الذي يقوم به الكاتب بتأخير عنصر ما على غيره في الجملة.  وفي هذا السياق ايضا، نجد آيات قرآنية كثيرة تمثل فيها قضية التأخير والتقديم علما مهما في المعنى منها:

1-“وإذ ابتلى إبراهيمَ ربهُ بكلمات فأتمهن” (البقرة: 124)

2-“إنما يخشى اللهً من عباده العلماءُ”  (فاطر: 28)

3-“فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت” (البقرة: 251)

من المهم تنبيه القارئ أو الطالب إلى قضية التأخير والتقديم في الآيتين الأوليتين، حيث أن القرآن يركز على “الابتلاء الذي تعرض له إبراهيم” و”خشية الله”.  أما بالنسبة للآية الثالثة، فضية التقديم والتأخير تختلف هنا، حيث أن هنالك تأخير لقتل داود لجالوت.  فلو أن أحدنا أراد روية القصة فإنه سيبدأ من اللحظة التي توجه بنو إسرائيل إلى نبي لهم ليدعوا الله فيأذن لهم بالقتال وصولا إلى اللحظة التي يُقتَل بها جالوت على يد جالوت وبعد ذلك تنتهي القصة بنصر المؤمنين.  أما هنا في هذه الآية الكريم، فنجد أن حدثا وقع أثناء القصة قد تم تأخيره إلى آخر القصة.  وفي ذلك دلالة هامة يمكن تفسيرها على أنها الدرس الذي على قارئ القرآن أن يتعلمه وهو أن داود الشاب الضعيف بقوة إيمانه تمكن من قتل طاغوت من جبابرة الكفر.  وهنا يمكن أن ننظر إلى الحرف “و” قبل كلمة “قتل” على أنها تخدم غرض التفسير لا العطف.

2- بعض نظريات ديبوغراند ودريسلر في علم النص:

ذكر ديبوغراند ودريسلر (De Beaugrande and Dressler1981) بعض الخصائص التي تتعلق بالنص منها ما يلي:

أ‌- Coherence

يذكر المؤلفان المثال التالي:

The King was in the counting house, counting all his money;

The Queen was in the parlour, eating bread and honey;

The Maid was in the garden, hanging out the clothes;

Along came a blackbird and pecked off her nose.

(De Beaugrande and Dressler 1981)

في المثال السابق، يشير المؤلفان إلى أنك سوف تفهم أن الملك والملكة زوجان وأنهما يعيشان في قصر، وذلك على الرغم من أن النص لا يذكر ذلك صراحة، وخلصا إلى أن النص لكي يكون نصا فلا بد من أن يكون هنالك التحام معنوي بين عناصره. لنطبق هذه القاعدة على المثال التالي:

“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم”

وفقا لقاعدة الالتحام المعنوي سابقة الذكر، يجب أن يكون هنالك رابط كبير بين الاستعاذة والبسملة. نلاحظ أن الاستعاذة إنما هي قول المسلم في بداية قراءته للقرآن الكريم، حيث يلجأ المسلم إلى الله تعالى ليحميه من شر الشيطان المطرود من رحمة الله.  وحيث أن المسلم إذ يقرأ الاستعاذة يدعو الله أن يقيه شر إبليس[7]، إذن فمن البديهي أن نقول أن العبارة التي تليها، أي البسملة، هي السلاح الذي يقاتل به المسلم إبليس وهذا السلاح هو الرحمة.  فالرحمة واللعنة ضدَّان لا يلتقيان، وفي حال كان الإنسان موجودا في إطار رحمة الله تعالى، بعد عن شر إبليس بعد المشرق عن المغرب.

من جهة ثانية، من المعروف لدى جميع من يدرس كتابة الفقرة، بالعربية أو بالانجليزية، أن الفقرة تتكون من مقدمة وعرض وخاتمة.  فإذا ما طبقنا هذا العنصر على القرآن الكريم، فإننا نرى ان القرآن الكريم يبدأ بـ “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” وينتهي بـ “قل أعوذ برب الناس” وبين هذه وتلك “رحمة اللهط ألا وهي النصوص القرآنية التي تخرج الإنسان من الظلمات إلى النور، بل هي الرحمة التي تنقذ الإنسان من الشيطان الرجيم.

وهكذا للحصول على رحمة الله لا بد للإنسان من إطاعة أمره، والمسلم إذ يقرا القرآن فإنه يريد أن يعرف أوامر الله تعالى ونواهيه ويطبقها في حياته، عندها يصبح في دائرة الرحمة بعيدا عن دائرة الشر ودائرة الشيطان الرجيم.

ويدعم هذا الاستنتاج الحديث الصحيح

“قال الشيخ الألباني :  صحيح   سند الحديث :   ” حدثنا وهب بن بقية عن خالد يعني بن عبد الله عن خالد يعني الحذاء عن أبي تميمة عن أبي المليح عن رجل قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فعثرت دابته فقلت تعس الشيطان فقال لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت ذلك تعاظم حتى يكون مثل البيت ويقول بقوتي ولكن قل بسم الله فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب.” أخرجه أبو داود في كتاب الأدب (موقع روح الإسلام 2007: رقم الحديث 4982)

وهكذا فقد أمر الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم صاحبه بأن يستخدم سلاح الرحمة لمواجهة الشيطان.   وذاك إذن مثال واحد يبين لنا كيف يمكن تطبيق مبدأ الالتحام المعنوي في فهم القرآن الكريم.

ب‌- التناص Intertextuality

يعرِّف المؤلفان كلمة intertextuality أو التناص على أنها الظاهر النصية التي يعتمد فيها فهم النص وإدراك معناه على فهم المتلقي لبعض النصوص الأخرى (De Beaugrande and Dressler 1981) .

وهنا أرجو أن أشير إلى المثال الذي تفضل به زميلي الأستاذ الفاضل د. أحمد الشيخ، في ورقته الممتازة بعنوان “Translation of the Holy Quran: Between the Transfer of Meaning and the Advocacy of Ideology” حيث تطرق إلى خطأ ترجمة معاني القرآن الكريم لبعض الجهات حيث أنها ذكرت في متن ترجمة سورة الفاتحة عبارة معناها: “اليهود” تفسيرا لعبارة “المغضوب عليهم” و”المسيحيين” تفسيرا لعبارة “ولا الضالين” وقد ذكر الأستاذ الشيخ أن سورة الفاتحة من أوائل السور التي نُزَّلت على المسلمين وكان ذلك قبل أن تقوم دولة الإسلام بشكل كامل، وهذا يفضي إلى أن عبارة “الذين أنعمت عليهم” إنما تشير إلى أهل الكتاب فيما مضى ممن أنعم الله عليهم بأن هداهم صراطه المستقيم.

تساعدنا نظرية التناص intertextuality على تأكيد هذا الافتراض، وذلك بالاستناد إلى آية أخرى هي: “يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين”.  وأعتقد أن التفسير واضح تماما من خلال هذا النص الثاني ويؤيد بالفعل ما جاء به د. أحمد الشيخ في مداخلته.

3- نظرية Speech Acts (أفعال الكلام)

يشير حاتم ومايسون (Hatim and Mason 1997:59) إلى نظرية أفعال الكلام التي جاء بها ج. أوستن ويعرفانها بأنها قدرة الجمل على القيام بالأفعال.  وتسمى القوة الفاعلة المصاحبة للجملة بـ Illocutionary Act أما القسمين الآخرين لأفعال الكلام فهما Locutionary Act الذي يمثل فحوى الكلام المتحدث به، وPerlocutionary Act الذي يمثل الأثر المصاحب لفعل الجملة.  ويمكنني أن أضرب مثالا مبسطا هنا لتوضيح أهمية الأفعال الكلامية في الترجمة:

1-أحمد: “خذ هذه النقود لك”

علي: “يعطيك العافية”

2- ماهر: “آسف لقد اضعت نقودك!”

علي: “يعطيك العافية!”

تختلف القوة المصاحبة لـ “يعطيك العافية” في المثال الأول عن نظيرها في المثال الثاني، حيث أن الأولى إنما هي “شكر” في حين أن الثانية “ذمٌّ”.  ومن ناحية الترجمة، يجب ترجمة الأولى باختيار عبارة للشكر بينما نترجم الثانية باختيار عبارة أخرى تدل على الذم مثلا:

1-     Thank you very much.  (Thanking)

2-     Thank you for nothing! (Censuring)

وتنسحب القاعدة ذاتها على آيات الذكر الحكيم.  لندرس معا الآية الكريمة التالية:

“حتى إذا أتوا على واد النمل، قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطِمَنَّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون” (سورة النمل:18)

والذي فعلته النملة وفقا لتحليل نظرية Speech Acts هو ما يلي:

أ‌-      يا: نادت

ب‌-  أيها: نبَّهت

ت‌-  النمل: حددت

ث‌-  ادخلوا مساكنكم: أمرت

ج‌-   لا يحطِمنَّكم: نهت

ح‌-   سليمان: خصَّصت

خ‌-   وجنوده: عمَّمت

د‌-     وهم لا يشعرون: اعتذرت

وهنا لو طلبنا من المترجم مثلا أن يترجم ما قالته النملة (بعيدا عن أغراض الترجمة الدينية) لوجب عليه أن يترجم كافة هذه القوى الكلامية المصاحبة لكل عنصر من العناصر أعلاه.  فمثلا يمكن ترجمة التنبيه بقولنا: Look out!  وعبارة: “وهم لا يشعرون” إلى unintentionally.

4- النظرية اللغوية العرقية

ظهرت النظرية اللغوية العرقية Ethnolinguistic theory على يد أستاذنا المرحوم د. محمد أكرم سعد الدين، وقد كان الهدف منها تحديد قائمة بكل ما يمكن تحليله في النص تمهيدا لفهمه وترجمته إلى اللغة الأخرى (Sa’Adeddin 1990).

وفي هذا السياق سوف نركز على عنصرين من قائمة سعد الدين هما: معيار التفسير وتحديد المُخاطِب والمُخاطَب (بمعنى آخر المشاركون في النص Participants):

أ- معيار التفسير Norm of interpretation

يتبين لنا من خلال العرض الذي قدمه سعد الدين في نظريته (Sa’deddin 1990) أن معيار التفسير إنما يشير إلى الأعراف الاجتماعية الثقافية التي تحكم موقف معينا تمثل في جملة أو عبارة منطوق لها بحيث يصبح فهم العبارة قاصرا بدون الرجوع إلى هذا المعيار.

ومثالنا على ذلك الآية القرآنية التالية:

“يا مريم لقد جئت شيئا فريا.  يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيَّا” (مريم: 27-28)

وهنا نقف عند بعض التفاسير لنشير أهمية معيار التفسير في فهم الآية القرآنية وترجمتها:

  • · تفسير ابن كثير (تفسيرات القرآن 2007):

“أَيْ أَنْتِ مِنْ بَيْت طَيِّب طَاهِر مَعْرُوف بِالصَّلَاحِ وَالْعِبَادَة وَالزَّهَادَة فَكَيْف صَدَرَ هَذَا مِنْك قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة وَالسُّدِّيّ قِيلَ لَهَا ” يَا أُخْت هَارُون ” أَيْ أَخِي مُوسَى وَكَانَتْ مِنْ نَسْله كَمَا يُقَال لِلتَّمِيمِيِّ يَا أَخَا تَمِيم وَلِلْمِصْرِيِّ يَا أَخَا مُضَر وَقِيلَ نُسِبَتْ إِلَى رَجُل صَالِح كَانَ فِيهِمْ اِسْمه هَارُون فَكَانَتْ تُقَاس بِهِ فِي الزَّهَادَة وَالْعِبَادَة وَحَكَى اِبْن جَرِير عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُمْ شَبَّهُوهَا بِرَجُلٍ فَاجِر كَانَ فِيهِمْ يُقَال لَهُ هَارُون وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر”  (وزارة الشئون الاسلامية 2007)

  • تفسير الطبري:

“اِخْتَلَفَ النَّاس فِي مَعْنَى هَذِهِ الْأُخُوَّة وَمَنْ هَارُون ؟ فَقِيلَ : هُوَ هَارُون أَخُو مُوسَى ; وَالْمُرَاد مَنْ كُنَّا نَظُنّهَا مِثْل هَارُون فِي الْعِبَادَة تَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا . وَقِيلَ : عَلَى هَذَا كَانَتْ مَرْيَم مِنْ وَلَد هَارُون أَخِي مُوسَى فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ بِالْأُخُوَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ وَلَده ; كَمَا يُقَال لِلتَّمِيمِيِّ : يَا أَخَا تَمِيم وَلِلْعَرَبِيِّ يَا أَخَا الْعَرَب وَقِيلَ كَانَ لَهَا أَخ مِنْ أَبِيهَا اِسْمه هَارُون ; لِأَنَّ هَذَا الِاسْم كَانَ كَثِيرًا فِي بَنِي إِسْرَائِيل تَبَرُّكًا بِاسْمِ هَارُون أَخِي مُوسَى , وَكَانَ أَمْثَل رَجُل فِي بَنِي إِسْرَائِيل ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَقِيلَ : هَارُون هَذَا رَجُل صَالِح فِي ذَلِكَ الزَّمَان تَبِعَ جِنَازَته يَوْم مَاتَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا كُلّهمْ اِسْمه هَارُون . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان فِي بَنِي إِسْرَائِيل عَابِد مُنْقَطِع إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُسَمَّى هَارُون فَنَسَبُوهَا إِلَى أُخُوَّته مِنْ حَيْثُ كَانَتْ عَلَى طَرِيقَته قَبْل ; إِذْ كَانَتْ مَوْقُوفَة عَلَى خِدْمَة الْبِيَع” (وزارة الشئون الاسلامية 2007)

ونكتفي بهذين التفسيرين تجنبا للإطالة، ولعلنا لاحظنا هنا مدى تردد المفسرين وعدم تأكدهم من معنى هذه الآية.  لكن معيار التفسير يقول لنا شيئا آخر يبدو أن سيد قطب في الظلال قد تنبه له (قطب 1996).  وعند مراجعة موسوعة Wikipedia على الانترنت عن “هارون” تبين لنا وصفا لمهام ما أسمتهم بالهارونيين أو الكوهينيين (مفرد: كوهين):

“The status of kohen was first conferred on Aaron, the brother of Moses, and his direct male descendants” (Wikipedia 2007)

أي أن أول من تلقى مهام “الكوهين” (وهو سادن الهيكل والمسئول عن أمور العبادة فيها) فهو هارون أخو سيدنا موسى عليه السلام، ليس هذا فحسب بل تقول الموسوعة أن سدانة الهيكل كانت أيضا محصورة في نسل هارون عليه السلام.  وهذه المعلومة ايضا تؤكدها موسوعة [8]Encarta.

على ضوء معيار التفسير هذا، يمكن القول أن سيد قطب  قد أحسن تفسير هذه الآية فقال:

“ثم يتحول السخط إلى تهكم مرير: …يا أخت هارون… النبي الذي تولى الهيكل هو وذريته من بعده والذي تنتسبين إليه بعبادتك وانقطاعك لخدمة الهيكل.  فيا للمفارقة بين تلك النسبة التي تنتسبينها وذلك الفعل الذي تقارفينه.”

(قطب 1996: 2307)

ب- المشاركون في الخطاب (Participants)

لا يكفي أن يعرف قارئ القرآن الكريم المخاطَب المباشر في الآيات القرآنية بل عليه أيضا أن ينتبه إلى المعنى المراد من الآيات الكريمات إذا ما وضع نفسه هو، أي المسلم، مخاطَبا مقصودا من الآية.  والافتراض بأن أي آية قرآنية كانت لها مخاطَبُها غير المباشر وهو المسلم (إذا كان المخاطَب المباش غير ذلك) يقوّيه ويدعمه أول آيات القرآن الكريم في سورة البقرة: “ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين” (البقرة 1-2) فهذا تصريح واضح من الله عز وجل أن القرآن كاملا إنما يخاطب الله من خلاله المسلم.

فلننظر إلى هذه الآية الكريمة ونرى المعنى الذي يمكن الوصول إليه وفقا للقاعدة المذكورة أعلاه:

“يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمتها عليكم وأني فضلتكم على العالمين” (البقرة: 47)”

وأخص بالذكر تفسيري سيد قطب وابن كثير وفيهما اختلاف مدهش قد يدل على أن تفسير سيد قطب يتماشى مع عنصر المشاركين الذي ذكرناه.  فابن كثير يرى أن هذه الآية بالذات إنما لتذكير المسلمين بالأمم السالفة وكيف أن الله أنعم عليهم في الماضي، لكن ابن كثير يمضي في تفسيره إلى الخلاصة بأن التفضيل الآن قد انتقل إلى الأمة الإسلامية فيقول:

” وَيَجِب الْحَمْل عَلَى هَذَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّة أَفْضَل مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى خِطَابًا لِهَذِهِ الْأُمَّة ” كُنْتُمْ خَيْر أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر وَتُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْل الْكِتَاب لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ” وَفِي الْمَسَانِيد وَالسُّنَن عَنْ مُعَاوِيَة بْن حَيْدَة الْقُشَيْرِيّ . قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّة أَنْتُمْ خَيْرهَا وَأَكْرَمهَا عَلَى اللَّه ” وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا كَثِيرَة”[9] (وزارة الشئون الاسلامية 2007)

لكن سيد قطب في مقدمة شرحه لمجموعة الآيات التي تتحدث عن بني اسرائيل والخلافة والتفضيلن فكأنه شعر بأمر المخاطب غير المباشر ألا وهو المسلم، فقال:

“”ومن جانب آخر كانت ضرورية لتحذير المسلمين من مزالق الطريق التي عثرت فيها أقدام الأمم المستخلفة قبلهم فحرمت مقام الخلافة وسلبت على شرف القيام علا أمانة الله في الأرض ومنهجه لقيادة البشر وقد تخللت هذه الحملة توجيهات ظاهرة وخفية للمسلمين لتحذيرهم من تلك المزالق…” (قطب 1996: 65)

أي أن المعنى الإضافي هو أن الله فضل أمة من الأمم من قبل لالتزامها بعهد الله، لكن هذه الأمة لم تلتزم بعهدها، فزال عنها التفضيل وهكذا ينطبق عليك الأمر أيها المسلم فلا تظنن أن الله مفضلك على العالمين إن لم تكن ملتزما بعهده.

رابعا- الخلاصة والتوصيات:

سعى الباحث في هذه الورقة إلى تسليط الضوء على بعض مبادئ نظريات الترجمة الواردة في كتب نظريات الترجمة وعلاقتها مع آيات القرآن الكريم.  وتبين من خلال بعض الأمثلة أن هنالك فائدة كبيرة تتأتى أولا عند النظر إلى الآيات القرآنية من وجهة نظر أصحاب نظريات الترجمة، وثانيا في قيام أصحاب نظريات الترجمة بالإشارة إلى آيات القرآن الكريم الزاخرة والمعجزة في بلاغتها.

وحيث أن الورقة البحثية لا يمكن لها أن تغطي الكثير من الآيات القرآنية وفقا لكافة العناصر الواردة في نظريات الترجمة، يوصي الباحاث إجراء دراسات قادمة حول بعض القضايا التي تتضمن على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

1-   نظرية Text Acts Theory (الأفعال النصية) وطريقة توظيفها في تفسير القرآن لسيد قطب (في ظلال القرآن)

2-   توظيف نظريات الترجمة لكشف التأثير الإيديولوجي للمسلمين وغير المسلمين على عملهم أثناء ترجمتهم للقرآن الكريم

3-   دراسة نظريات الـ Felicity Conditions والـ Grice’s Maxims وغير ذلك بالرجوع إلى الآيات القرآنية وتحليلها.

4-   عقد مؤتمر علمي لمناقشة مشكلات تفسير القرآن الكريم وفهمه وفقا لنظريات الترجمة

5-   تدريس قواعد نظريات الترجمة لطلبة الشريعة وللمهتمين في تعلم القرآن الكريم وتفسيره


الملحق:

الفرضية (1)

كل سورة تدور حول فكرة أساسية ولمعرفة هذه الفكرة يجب إدراك معنى أول عشر آيات تقريبا وآخر عشر آيات تقريبا من السورة المذكورة.  وفقا لذلك، تدور الفكرة الأساسية لسورة البقرة حول “الإيمان بالله سبحانه وتعالى”.

افتراض:وفقا لمبدأ “وحدة النص” في اللغة، فإن أي عبارة أو جملة ترد في النص إنما ترتبط ارتباطا مباشرا بالفكرة الرئيسية، فلو أخذنا أي آية من سورة البقرة لكان من الواجب تفسيرها على ضوء هذه الفكرة الأساسية.

مثال: “إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة” تحمل من معانيها المعنى التالي: “على المؤمن بالله أن سلم بأمر الله وينفذه دون أي تردد ودون سؤال”.

الفرضية (2)

يجب على قارئ القرآن أن يكون مضطلعا على التغيرات المعرفية الحاصلة في كل عصر وأن يواكب هذه التطورات ليتمكن من فهم الآية القرآنية بشكل أفضل.

مثال: “والأرض مددناها” وفقا للعلوم الحديثة تتوافق مع العلم الحديث في أن الأرض “كروية” وذلك لأن الأرض ممدودة أمامك على مج البصر إلى خط الأفق وكلما مشيت بقيت الأرض ممدودة وهذا لا يمكن حدوثه إلا إذا كانت الأرض كروية.

نفس الفرضية تنطبق على “وكل شيء خلقناه بقدر” حيث سيتمكن قارئ القرآن من فهم هذه الأية الكريمة في حال أنه عرف تكوين الغازات في الغلاف الجوي للأرض فلو ازداد الأكسجين قليلا لاحترق الناس ولو ازداد النتروجين قليلا لاختنق الناس. (حقيقة علمية)

افتراض: يتأثر معنى الآية القرآنية في ذهن القارئ عند تفاعلها مع الذاكرة الخبروية.

الفرضية (3)

تشير نظريات الترجمة إلى ضرورة الانتباه إلى الضمير (وما يحل محله) وما يشير إليه، وينطبق الأمر على قارئ القرآن الكريم حيث يجب عليه ربط الضمير مع الفكرة التي يعود عليها ليصل إلى فهم صحيح لآيات القرآن.  والأمثلة كثيرة جدا نكتفي بما يلي:

1-   “مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم” هنا الضمير في “استوقد” يعود على نفس ما يعود عليه الضمير في “نورهم”.  هذا هو المعنى الأول، لكن على متدبر الآية الكريمة أن ينتبه إلى التغيير في المفرد والجمع وهذا يشير إلى إعجاز القرآن اللغوي فكأنما الذي وضع هذه الآية (الله عز وجل) يستخدم اللغة العربية بكل إمكاناتها وبمهارة عالية يعجز عنها البشر رغم وجود اللغة العربية بين أبنائها، وهذا من ناحية أخرى يشير إلى تفسير “ألم” حيث أن هذه الأحرف العربية في متناول يد الجميع لكن الله يتحدى أفصح فصحائهم في مجال استخدامها، وهذا مجرد مثال بسيط حول نقل الفكرة من المفرد إلى الجمع بسرعة ويسر وسلاسة.

2-   “أما السفينة فكانت لمساكين”  يستدل من هذه الآية قاعدة فقهية هي أن المسكين حالته المادية أفضل من الفقير، فالمساكين يملكون سفينة.

3-   “ذلك ليعلم أني لم أخنه في الغيب” من الضروري الانتباه إلى إشارات الضمير في سورة يوسف حيث أن الآية السابقة كانت بلسان امرأة العزيز أما هذه الآية فهي على لسان سيدنا يوسف عليه السلام.  أي أن الضمير في “أخنه” يعود على سيدنا يوسف عليه السلام.

4-   “وقال الذين لا يعلمون مثل قولهم” من المهم ملاحظة أن “الذين لا يعلمون” إنما هي عبارة عن إشارة تدل على “المشركين الوثنيين” الذين لا كتاب سماوي لهم.

الفرضية (4)

التقديم والتأخير أداتان بلاغيتان وفي حال استخدامهما يتغير المعنى أو أن معنىً مبطنا يضاف إلى الآية الكريمة.

1-   “فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت”.  يجب على من يتلوا هذه الآيات أن ينتبه إلى التأخير والتقديم في سرد القصة فمن المنطقي أن يقول المرء: وتمكن داود من قتل جالوت وخرت عزيمة الأعداء فهزم المؤمنون جيشَ الكفار بإذن الله وانتهت القصة بانتصار المؤمنين.  لكن تأخير قضية قتل داود لجالوت تنطوي على أمر هام ويمكن رواية القصة وفقا للآية الكريمة كما يلي: “وانتهت الحرب بانهزام الكافرين رغم ضآلة حجم جيش المؤمنين, ونتعلم درسا هاما من هذه القصة وهو أن الصبي داود على صغر سنه قتل كبير الكفار جالوت وهذا يعني أن الإيمان بالله هو أكبر قوة على وجه الأرض”.

وفي نفس السياق، يجب على القارئ أن يعتبر أن التقديم والتأخير هنا هو رد من الله تعالى على بعض الجنود من جيش طالوت الذين قالوا: “لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده” ويجب أن يعتبر أن التقديم والتأخير هنا هو تعزيز لقول المؤمنين “كم من فئة قليلة هزمت فئة كثيرة بإذن الله”.

2-   مرة أخرى نعود إلى فرضية سابقة ونقول أن على القارئ أن يدرك أن معاني الآيات السابقة الخاصة بنصر جيش طالوت تدور حول الفكرة الرئيسية لسورة البقرة وهي “ضرورة الإيمان بالله” أي أن إحدى وظائف الآيات الكريمات الخاصة بطالوت وجالوت هي: “ضرب مثال على أهمية وكيفية الإيمان بالله”.

الفرضية (5)

من المهم جدا أن ينتبه قارئ القرآن الكريم إلى مواطن الحذف ويدرك الوظيفة المعنوية التي يؤديها الحذف علما بأن الحذف هو من الأدوات البلاغية:

“أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد” يوجد حذف في هذه الآية والقصد أن يقول الكافرون: أئذا كنا ترابا أئنا لمبعوثون، ذلك رجع بعيد.  جاء الحذف ليؤدي معنىً إضافيا وهو أن الكافرين متعجبين كل العجب لدرجة أنهم استبعدوا يوم الحساب فلم يكملوا التفكير في ما يحدث بعد “ترابا” إذن المعنى المتأتي من عملية الحذف هذه هو “تعجب الكافرين وتفكيرهم في أنه لأمر غير وارد بتاتا حتى مجرد التفكير في ما جاء به القرآن عن  يوم البعث.

الفرضية (6)

تحمل أدوات التماسك اللفظي (مثل: و، أو الخ) معان هامة جدا لا يمكن تجاوزها.  أمثلة ذلك:

المثال الأول:

“وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها…..”

“وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها….”

حرف الواو في الأية الأولى يدل على وجود فترة زمنية سحيقة بين تجمع المؤمنين عند أبواب الجنة وفتح الأبواب، ويمكن الاستدلال من الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يجتمعون عند أبواب الجنة إلى أن يأتي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكي يستأذن بالدخول فيؤذن له فيكون أول من يدخلها.

المثال الثاني:

“إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت”

هنالك فرق بين “ما” و “من” وهذا الفرق يرتبط ارتباطا وثيقا مع الفرق بين “الرحم” و “الأرحام” ولو كانت الكلمة “من” و “الرحم” لكان المعنى أن الله يعرف إذا كان من في الرحم ذكر أم أنثى، لكن المعنى المتأتي من الآية الكريمة هو أن الله يعلم كل ما يدور في عالم الأرحام وأن عالم الأرحام هو من العلوم الغيبية شأنها شأن عالم الأحياء وعالم الأموات وعالم الأرواح، حيث أن الله وحده يعلم هل الجنين الذي نفخت فيه الروح سعيد أم شقي الخ. كما ورد في الحديث الصحيح.

الفرضية (7):

ما من آيتين تأتيان الواحدة تلو الأخرى إلا وكان هنالك معنى مشترك بينهما.  مثال:

أ- “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”

“بسم الله الرحمن الرحيم”

يبدأ المسلم القرآن بالاستعاذة والبسملة.  ولو تخيلنا وجود علاقة مباشرة بينهما لكان بالإمكان استنتاج ما يلي: يستعيذ المؤمن بالله من شر الشيطان وسلاح المؤمن في البعد عن الشيطان هو الرحمة وقول بسم الله الرحمن الرحيم.  ويؤيد ذلك ورود حديث عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نهى فيه الصحابي المرافق له عن أن يقول “تعس الشيطان” بل أرشده أن يقول “بسم الله”.[10]

ب- ” وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين” و ” وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير”

المعنى المضاف لهاتين الآيتين هو أن سيدنا ابراهيم عليه السلام “تلميذ نجيب” الله تعالى معلمه، حيث أنه في الآية الثانية تعلم من الله تعالى أن الكافرين لا عهد لهم مع الله فخصص دعاءه بـ “..من آمن بالله واليوم الآخر” لكن الله يعلمه مرة أخرى أنه في الأرزاق الله تعالى يرزق الكافر والمؤمن على حد سواء وأنه يمهل المرء في الحياة الدنيا لكن يذيقه عذاب جهنم في الآخرة إن مات على الكفر.

الفرضية (8)

يجب على من يتلو القرآن مراعاة الذاكرة الخبروية لدى المجتمعات الأخرى عند الضرورة.  ونعني بالذاكرة الخبروية المعلومات المتعلقة بتاريخ شعب ما وثقافته وتقاليده والتي يمكن أن تؤثر على طبيعة النص. مثال توضيحي: لو قلت لشخص مغربي “يعطيك العافية” فسينصدم منك ويقول لماذا تدعو علي؟ لأن كلمة العافية لديهم معناها “المرض” وهذا الاختلاف يعني اختلاف الذاكرة الخبروية.

ورد في القرآن الكريم الآية التالية: “يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا”

ما دام أن الخطاب بين مريم بنت عمران وبني إسرائيل فينبغي على القارئ العودة إلى تاريخ بني إسرائيل لفهم الذاكرة الخبروية لديهم وفهم الآية الكريمة.  يقول التاريخ أن مريم بنت عمران لم يكن لديها أخ اسمه هرون، لكن موسوعة الانتكارتا مثلا وغيرها من كتب أهل الكتاب تنص صراحة على أن التوراة كانت لموسى وأبنائه من بعده أما المعبد فكان لأخيه هرون ولأبنائه من بعده. وبالتالي وحيث أن هرون هو المسؤول الأول عن المعبد الذي كانت مريم تعبد فيه ربها فيصبح معنى الآية: “يا مريم، يا من تنتسبين إلى هرون النبي بعبادتك الله في معبده…..” علما أن كلمة “أخت” تشير عند أهل الكتاب إلى الراهبة.

الفرضية (9):

من الضروري على قارئ القرآن أن ينتبه إلى الأفعال الكلامية التي تحملها الآيات الكريمة، مثل:

“قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون” وفقا لنظرية الأفعال الكلامية فقد قامت النملة بما يلي:

أ- يا: نادت   ب- أيها: نبَّهت   ج- النمل: خصصت   د- ادخلوا مساكنكم: أمرت   ه-سليمان: حددت  و-جنوده: عمَّمت    ز-وهم لا يشعرون: اعتذرت

الفرضية (10)

تشير نظرية الـ felicity conditions إلى بعض المعايير الكلامية ومنها معيار الكم Quality بمعنى أنك إذا ما تحدثت إلى أحد وأجابك بذكر معلومات أكثر مما طلبت فيجب أن يكون لذلك معنى ضمنيا.

ورد في القرآن الآيات الكريمة التالية:

“وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى”

كان السؤال عن العصا فلماذا لم تكن الإجابة “عصا” ولماذا “ولي فيها مآرب أخرى”؟ يدل ذلك على أن سيدنا موسى يشعر بالأمان بالحديث مع رب العالمين فزاد ببعض التفاصيل لكي يستمر بالكلام الدافئ مع خالقه، لكنه ما لبث أن اختصر خشية أن يكون ذلك قلة ذوق منه في حضرة رب العالمين.

الفرضية (11):

يجب على قارئ القرآن أن يدرك خصائص النص من حيث المُخاطِب والمخَاطَب ويجب أن يدرك ما يُسمى في علم اللغة بالوظائف النصية أو Text Acts وارتباط هذه الوظائف النصية مع بعضها البعض، والتركيز على أن هذه العلاقات النصية الوظيفية تختلف باختلاف المخاطِب والمخاطِب.  مثال:

يختلف فهم سورة الفاتحة الكريمة باختلاف زاوية النظر إليها كما يلي:

أولا:

أ- المُخاطِب: الله عز وجل

ب- المخَاطَب: المؤمنون

ج- الغرض:  تلقين المؤمنين

د- وسط الرسالة:  مكتوب على أنه محكي

هنا يكون التحليل اللغوي العرقي كما يلي:

التسلسل العبارة/الآية الوظيفة النصية
1 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم تنبيه إلى العدو الحقيقي للبشرية
2 بسم الله الرحمن الرحيم إرشاد إلى طريق النجاة من الشيطان
3 سورة الفاتحة كاملة تلقين المؤمنين طريقة اللجوء إلى الله(ويكرر هذا الدعاء 17 مرة على الأقل في اليوم)

ثانيا:

أ- المُخاطِب: المؤمنون

ب- المخَاطَب: الله عز وجل

ج- الغرض:  دعاء الله أن ينعم عليهم باتباع الصراط المستقيم

د- وسط الرسالة: مكتوب على أنه محكي

العبارة/الآية الوظيفة النصية
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

تسلسل 1: مقدمة للسورة كاملة
إعلان اللجوء إلى الله وحده في محاربة الشيطان
بسم الله الرحمن الرحيم استهلال الدعاء بالرحمة لطرد الشيطان
تسلسل 2: تمجيد وثناء (مقدمة للتسلسل 3)

الحمد لله رب العالمين

حمد الله والثناء عليه
الرحمن الرحيم وصف مقام الألوهية بالرحمة التي لا نظير لها في الوجود
ملك يوم الدين تمجيد الله تعالى بأنه صاحب الأمر يوم القيامة
إياك نعبد وإياك نستعين إقرار بالعيودية المطلقة لله تعالى
إهدنا الصراط المستقيم

تسلسل 3: الدعاء (صلب الموضوع)
دعاء الله لتلبية أهم حاجة من حاجات المؤمن في الحياة الدنيا (وهنا القصد الأساسي من قراءة السورة التي يتكرر الدعاء بها 17 مرة على الأقل في اليوم الواحد)
تسلسل 4: الخاتمة

صراط الذين أنعمت عليهم

توضيح عبارة “الصراط المستقيم” للاستئناس بالحديث مع رب العالمين ولإنهاء الدعاء بشكل لائق
غير المغضوب عليهم
ولا الضالين

ثالثا:

المُخاطِب: الله سبحانه وتعالى

المُخَاطَب: قارئ القرآن

الغرض: مقدمة لسور القرآن الكريم كافة وكأن الله عز وجل يرشد المؤمن أن القرآن الكريم بسوره وأحكامه هي الاستجابة لدعاء المؤمن بالمشي في الصراط المستقيم.

وسط الرسالة: مكتوب ليتم قراءته

التسلسل العبارة/الآية/السورة الوظيفة النصية
1 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم + سورة الفاتحة مقدمة- مع التركيز على:1-   الاستعاذة بالله تعالى من العدو اللدود للبشرية ألا وهو الشيطان المطرود من رحمة الله

2-   التركيز على أن الهدف من تلاوة القرآن هو أن يسترشد المؤمن بسور القرآن الكريم وأحكامه لكي يسير على الصراط المستقيم

2 سور القرآن الكريم توضيح للصراط المستقيم وطريق الهداية الحق
3 سورة الناس خاتمة القرآن الكريم وتلخيص بطريقة مختلفة لفكرة أساسية وهي العداوة ما بين الشيطان والإنسان وأن الذي ينجي الإنسان من الشيطان إنما هو الله عز وجل

فمثلا، عندما يقول الله عز وجل “ولا تقربوا الزنا” فإن الغاية من ذلك وفقا للمقدمة القرآنية إنما هي أن يضع المسلم على الصراط المستقيم.

وفقا للتحليل اللغوي السابق توصل الباحث إلى بعض الإضاءات التفسيرية للسورة الكريمة:

1-   نعلم أن أحد ابني آدم قتل أخاه لكنه لم يعرف كيف يواري سوءة أخيه حتى رأى الطير يواري طيرا آخر مما يعني أن الإنسان لا حول له ولا قوة دون إرشاد إلهي له.  وبالمثل، المؤمن لا يعرف كيف يمكن له التقرب إلى الله بالطريقة الصحيحة ولا يدرك حقيقة أهم أمر في حياته ليدعوا الله به، بمعنى أن المؤمن لو فتحت له أبواب السماء وكانت ساعة استجابة لدعائه فقد يدعوا المؤمن أن يعطيه الله سيارة أو بيتا أو مالا وبنين أو قد يدعو الله الجنة والنجاة من النار.  لذلك جاءت سورة الفاتحة تلقينا للمؤمن في كيفية الدعاء بحيث يحقق خير الدنيا وينال نعيم الآخرة: “إهدنا الصراط المستقيم” فإذا ما سار المؤمن في الصراط المستقيم فاز بالدنيا وفاز بالآخرة.

2-   يلقن الله عز وجل المؤمن كيفية مخاطبة الله تعالى بأدب، فالدعاء فيه مقدمة وثناء على الله ومن ثم الدعاء بما شاء ومن ثم الخاتمة وهذا من باب التأدب في حضرة ملك الملوك (ملك يوم الدين) فقد لا يليق مثلا أن يقول العبد لله عز وجل جون أي مقدمات: “أعطني مالا وأولادا” فليتخيل المرء نفسه بين يدي الوزير وأنه يريد منه قضاء حاجة، فلا شك في أنه سيبدأ بمقدمة طويلة يمدحه فيها ومن ثم يقدم طلبه وبعد ذلك يشكره على استماعه له، فما بالك بدعاء رب العالمين.  ومن طرق التقرب إلى الله تعالى استذكار صفات الحق كالرحمة والرحمانية وكذلك إقرار ربوبيته وملكه ليوم الثواب والعقاب.

3-   تشير السنة الشريفة إلى وجوب قراءة سورة الفاتحة 17 مرة على الأقل في اليوم والليلة مما يؤكد على أهمية هذا الدعاء وأهمية ألا يحيد المرء عن الصراط المستقيم وأن العدو الرئيسي للإنسان (من خلال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم) إنما هو الشيطان فهو العدو الأول والآخر ويجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله الرحمن الرحيم فيطرد عنه الشيطان برحمة الله تعالى، فالشيطان مطرود من رحمة الله وحيث يوجد رحمة لا يوجد الشيطان.

4-   تشير السورة الكريمة إلى انقسام البشر إلى ثلاث طوائف: 1- المؤمنين الذين أنعم الله عليهم باتباعهم الصراط المستقيم و2- المغضوب عليهم الذين رأوا الصراط المستقيم وعرفوه لكنهم تعنتوا ورفضوا اتباعه و3- الذين رأوا الصراط المستقيم ومشوا فيه لكنهم ما لبثوا أ، حادوا عنه ثم ضلوا الطريق ثم ضاعوا في التيه ثم عمهوا في ضلالتهم.

5-   من النقطة (4) نستنتج أنه من الخطأ تقسيم البشر إلى غير الفئات المذكورة أعلاه: فلا عربي-أعجمي ولا أبيض-أسود ولا ذكر-أنثى بل أن الفرق بين اثنين من البشر إنما في: مؤمن-ضال.  (ويقوي هذه الفرضية ما ورد في الحديث الصحيح في هذا الشأن).

الفرضية (12)

يمكن الحصول على المعنى المضاف من خلال مقارنة بعض الآيات التي قد تستخدم أساليب قواعدية وبلاغية متعارضة.  مثال:

أ- “وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أن الحكيم العليم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون ما كنتم تكتمون”

ب- “وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين”

تشير النظرية الشكلانية الروسية في الأدب[11] أنه إذا ما أردت إبراز أهمية حدث ما فإنك تطيل القصة، كما في الآيات في (أ) لكنك تختصر الكلام، إذا لم يكن الحديث مهما كما في الأية في (ب)، ومن الناحية اللغوية فإن استخدام المبني للمجهول قد يعني تفاهة الأمر المتحدث عنه كما في حادثة الطوفان في الآية (ب) لكن استخدام المبني للمعلوم في الآيات (أ) يعني أهمية الحدث.  وهنالك عامل آخر وهو أن الآيات (أ) تذكر رد الملائكة لكن في الآية (ب) لا يوجد رد للأرض ولا للسماء وكأن المقصود من الآية (ب) أن من هي هذه الأرض أو تلك السماء حتى تقول نعم أو لا لأمر رب العالمين!

بمقارنة هذه الأدوات البلاغية بين التسلسلين من الآيات المذكورات يتبين لنا المعنى المضاف التالي:

خلق آدم وخلافته في الأرض هو حدث جلل بل هو الحدث الجلل في تاريخ الوجود


ثبت المراجع:

المراجع العربية:

1-      الحمد، نايف. الاستعاذة: حكم وأحكام. مسترجع عن الانترنت من http://www.islamtoday.net/questions/show_articles_content.cfm?id=24&catid=202&artid=8838#2 بتاريخ 20 آذار 2007

2-   القرآن الكريم

3-   قطب، سيد. 1996. في ظلال القرآن. دار الشروق.بيروت

4-   موقع روح الإسلام. موسوعة الحديث الشريف، الإصدار الثاني. نسخة حاسوبية، استرجاع من www.islamspirit.com بتاريخ 20/3/2007

5-   وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. تفاسير القرآن الكريم (ابن كثير، الجلالين، الطبري، القرطبي) المملكة العربية السعودية. مسترجع عن الانترنت بتاريخ 13/3/2007، عن: http://quran.al-islam.com/Tafseer

المراجع الأجنبية:

1-     Baker, M. 1995. In Other Words. Routledge. London.

2-      De Beaugrande, R. and Dressler. 1981. Introduction to Text Lingusitics. Retrieved from www.beaugrande.com on September 12, 2006

3-       Hatim, B. and Mason, I. 1997. Discourse and the Translator. Longman. London.

4-       Sa’Adeddin M. (1990). “Towards a Viable Applied Linguistic Theory of Translation: An Ethnolinguistic Point of View”, Translation in Performance. Ed. Fawcet, P., Heathcote, O. University of Bradford. London..

5-     Sale, G. 1940. The Koran. Frederick Warne & Co LTD. London

6-      Wikipedia (The Free Encyclopedia)Kohen retrieved on 11/3/2007 from http://en.wikipedia.org/wiki/Kohen


[1]للاطلاع على عرض عام لنظريات التطابق، التي تشكل واحدة من أهم عناصر نظريات الترجمة، راجع الملخص الموجود بالانجليزية على الشبكة العنكوبنية بالنقر على الرابط التالي:  http://aburisha.tripod.com/man/equivalence.html

[2] “O Men of Mecca!” (Sale 1940:4)

[3] تعرض عبد الله يوسف علي، مترجم معاني القرآن الكريم، إلى هجوم كبير من بعض علماء اللغة يتهمونه بأنه أدخل عقيدته في الترجمة بطرق حرَّفت المعنى الحقيقي للآيات القرآنية.  لتفاصيل حول هذا الموضوع انظر: ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم و علومه (1421هـ/2000م : المدينة المنورة), عبدالرحمن , وجيه حمد. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1421 هـ 2000 م

[4] راجع:

Abu-Risha, M. 2005. Towards more efficient courses of translation. Atlas Journal for Studies and Research, ed. Suleiman Al-Abbas. Amman

Abu-Risha. M.2006. Written and electronic resources for self-training translators. Atlas Journal for Studies and Research. Ed. Suleiman Al-Abbas. Amman

[5] صدر مثلا كتاب يعنوان “زوال إسرائيل عام 2022” وفيه نوع من الحسابات الرياضية يقول صاحبها أنها صحيحة وأنها تعطي التاريخ الدقيق لزوال دولة إسرائيل.  لكننا نرى أن الهدف من القرآن هو التعامل مع الحاضر والتعلم من الماضي والتحضير للمستقبل لا التنبؤ به.

[6] انظر كتاب:Muqattash, L. 1995. Structure II. Al-Quds Open University. Amman.

[7]http://www.islamtoday.net/questions/show_articles_content.cfm?id=24&catid=202&artid=8838#2

[8] راجع مقالة Aaron في موسوعة Microsoft Encarta 2004

[9] انظر تفسيير الآية في تفسير ابن كثير على الرابط التالي:  http://quran.al-islam.com/Tafseer

[10]

[11] Selden, R. 1985. Reader’s Guide to Contemporary Literary Theory. The Harvester Press. Liverpool

Author: aburisha

Translator, interpreter and international consultant

2 thoughts on “القرآن الكريم ونظريات الترجمة”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بحث شيق بارك الله فيكما
    لقد امتعني وافادني حقًا

Comments are closed.